عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي

559

مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي

السماء إِلَى الأرض ، وهو سبحانه وتعالى يمثل العِلْم والإيمان تارة بالماء كما في هذه الآية ، وكما في المثل الثاني المذكور في أول سورة البقرة ( 1 ) ، وتارة يمثله بالنور كما في المثل المذكور في سورة النور ( 2 ) ، والمثل الأول المذكور في سورة البقرة ( 3 ) ، وكذلك في هذه الآية التي في سورة الرعد ( 4 ) ، ذكر مثلاً ثانيًا يتعلق بالنار وهو قوله : { وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ } ( 5 ) فإن الماء والنور مادة حياة الأبدان ، ولا يعيش حيوان إلا حيث هما موجودان ، كما أن العِلْم والإيمان مادة حياة القلب ، وهما للقلوب كالماء والنور ، فَإِذَا فقدهما القلب فقد مات . وقوله تعالى : { فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا } ( 6 ) شبه القلوب الحاملة للعلم والإيمان بالأودية الحاملة للسيل ، فقلب كبير يسع علمًا عظيمًا ، كوادٍ كبير يسع ماء كثيرًا ، وقلب صغير يسع علمًا قليلاً ، كواد صغير يسع ماءً قليلاً ، فحملت القلوب من هذا العِلْم بقدرها ، كما سألت الأودية من الماء بقدرها . فهذا تقسيم للقلوب بحسب ما تحمله من العِلْم والإيمان إِلَى متسع وضيق . والذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي موسى تقسيم لها بحسب ما يرد عليها من العِلْم والإيمان إِلَى قابل لإنبات الكلأ والعشب ، وغير قابل لذلك وجعلها ثلاثة أقسام : قسم قبل الماء ، فأنبت الكلأ والعشب الكثير ، وهؤلاء هم الذين لهم قوة الحفظ والفهم والفقه في الدين ، والبصر بالتأويل ، واستنباط أنواع المعارف والعلوم من النصوص ، وهؤلاء مثل :

--> ( 1 ) البقرة : 22 . ( 2 ) النور : 35 . ( 3 ) البقرة : 17 . ( 4 ) الرعد : 16 . ( 5 ) الرعد : 17 . ( 6 ) الرعد : 17 .